صعود السيارات الصينية: كيف تحولت الصين إلى قوة عالمية؟
47 ألف سيارة صينية في السعودية.. والمملكة تتطلع لصناعة سيارات محلية
قبل سنوات قليلة، كان شراء سيارة صينية خيارًا يرتبط غالبًا بانخفاض اسعارها، أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بالكامل، إذ تحولت علامات مثل بي واي دي وشانجان وجيلي وشيري إلى منافسين حقيقيين لكبار مصنعي السيارات عالميًا، في واحدة من أسرع التحولات التي شهدتها صناعة السيارات في العالم.
ولم يكن هذا الصعود مجرد نتيجة للأسعار التنافسية، بل جاء مدفوعًا بمنظومة صناعية وتكنولوجية ضخمة جعلت الصين تنتج نحو 75% من السيارات الكهربائية عالميًا وتستحوذ على قرابة 80% من إنتاج خلايا البطاريات. ومع اشتداد المنافسة في السوق المحلية، اتجهت الشركات الصينية إلى الخارج، لتتجاوز صادرات السيارات الكهربائية 2.5 مليون سيارة في عام 2025.
وفي قلب هذا التوسع، برزت السعودية كإحدى الوجهات المهمة، إذ بلغت مبيعات العلامات الصينية 47,728 سيارة خلال النصف الأول من 2025. بالتزامن مع سعي المملكة للانتقال من سوق مستوردة للسيارات إلى لاعب في صناعتها، عبر تطوير مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية.
يستعرض هذا التقرير أبرز العوامل التي قادت إلى صعود السيارات الصينية وانتشارها في الأسواق السعودية والعالمية، وكيف تحول هذا الصعود إلى توجه صناعي واستثماري يتجاوز مجرد تصدير السيارات.
تصفح أفضل عروض السيارات الصينية في السعودية
محتوى
كيف بدأت رحلة الصعود الصيني؟

بي واي دي، لو قمت بسماع هذا الاسم قبل 10 سنوات لربما ظننت أنه مجرد اسم عابر، ولكن في عام 2026 لم تعد تمثل بي واي دي مجرد اسم لعلامة صينية، إذ لم تعد تخلو قوائم أعلى مبيعات السيارات من كل عام وفي جميع انحاء العالم من اسم هذا العملاق الصيني.
بل ويرى العديد من المحللين بأن المرحلة المحورية التي مثلت بداية صعود السيارات الصينية كانت في عام 2023، عندما تفوقت مبيعات بي واي دي على عدد مبيعات تسلا الأمريكية. وما ظنه بعض الأشخاص بكونه طفرة مؤقتة استمر بالنمو في الثلاث سوات الماضية حتى اصبحت السيارات الصينية منافسًا حقيقيًا لا يقتصر على بي واي دي فحسب، بل توسع ليشمل علامات مثل شيري وجيتور وشانجان وغيرها من العلامات التي نجحت في ترسيخ حضور السيارات الصينية في السوق السعودي والعالمي.
من الإنتاج الضخم إلى التكنولوجيا: وصفة الصين للنجاح

في حال كنت متابع لشؤون السيارات في بدايات صعود العلامات الصينية، لكنت ستستمع إلى التحليل نفسه مرارًا وتكرارًا، وهو: انتشرت السيارات الصينية بسبب رخص سعرها فحسب!
إلا أن هذا التفسير يعد مجتزءًا وغير صحيح بصورة كاملة، إذ نجحت الصين في بناء منظومة صناعية ضخمة تجمع بين الإنتاج واسع النطاق وسلاسل التوريد المحلية والاستثمار في التقنيات الجديدة. وتظهر هذه الأفضلية بوضوح في السيارات الكهربائية، إذ أنتجت الصين نحو 16 مليون سيارة كهربائية في 2025، أي قرابة 75% من الإنتاج العالمي، كما استحوذت على نحو 80% من إنتاج خلايا البطاريات عالميًا.
وفي الوقت نفسه، لم تقتصر الاستراتيجية الصينية على السيارات الكهربائية، بل شملت السيارات الهجينة والذكية وتطوير السيارات التقليدية، مع سياسات حكومية تستهدف توجيه الاستثمار نحو سيارات الطاقة الجديدة وتطوير منظومة السيارات الذكية.
وساهمت هذه المنظومة الصناعية في تعزيز قدرة الشركات الصينية على طرح طرازات تجمع بين الأسعار التنافسية والتكنولوجيا الاستثنائية، إضافة إلى طرح خيارات وطرازات تغطي احتياجات جميع المستهلكين. ففي عام 2025، كان نحو 70% من السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات المباعة في الصين أقل سعرًا من متوسط السيارات التقليدية، وهو ما عزز جاذبيتها أمام المستهلكين.
كيف صنعت الحكومة الصينية قوة سيارات عالمية؟

لم يكن صعود صناعة السيارات الصينية نتيجة المنافسة التجارية وحدها، بل جاء أيضًا ضمن سياسة صناعية طويلة الأمد، حاولت من خلالها الصين بناء قطاع تكنولوجي قادر على المنافسة عالميًا وتسعى بشكل أهم على تقليل اعتماد الصين على التقنيات الأجنبية.
وأصبحت السيارات الكهربائية والبطاريات من القطاعات ذات الأولوية؛ إذ بدأت الصين دعم البحث والتطوير في السيارات الكهربائية منذ 2001، ثم أطلقت في 2009 برامج لدعم شراء السيارات الكهربائية وتمويل البنية التحتية للشحن.
ولم يقف دور الحكومة الصينية هنا، إذ استمر ليشمل حوافز شراء المستهلكين، والإعفاءات الضريبية، وتمويل البحث والتطوير، والمنح المباشرة للمصنعين، والمشتريات الحكومية، إضافة إلى دعم تصنيع البطاريات.
الشرق الأوسط.. محطة رئيسية في التوسع الصيني
لم يعد السوق الصيني وحده كافيًا لاستيعاب النمو المتسارع لصناعة السيارات في البلاد، خصوصًا مع اشتداد المنافسة بين الشركات وحرب الأسعار التي ضغطت على هوامش الأرباح. وبناء على ذلك، بدأت الشركات الصينية بالنظر إلى الأسواق الخارجية باعتبارها فرصة للحفاظ على نمو المبيعات وتوسيع حصتها عالميًا.
وظهر ذلك بوضوح في قطاع السيارات الكهربائية، إذ تجاوزت صادرات الصين 2.5 مليون سيارة كهربائية في 2025، بزيادة تقارب الضعف مقارنة بالعام السابق، بينما أصبحت السيارات الكهربائية تمثل أكثر من 35% من إجمالي صادرات السيارات الصينية، مقابل نحو 20% فقط في 2024.
وتكشف بيانات عام 2025 عن اتساع حضور السيارات الكهربائية الصينية في عدد من الأسواق العالمية، مع تسجيل نمو لافت في صادراتها إلى الأسواق الناشئة، وخاصة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية:
| السوق | نمو صادرات السيارات الكهربائية الصينية في 2025 |
|---|---|
| جنوب شرق آسيا | 130% |
| الشرق الأوسط | 60% |
| أمريكا اللاتينية | 55% |
| خارج أوروبا وأمريكا الشمالية | شكلت 55% من مبيعات السيارات الكهربائية، مقابل 10% في 2021 |
| عدد من أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية | أكثر من 80% من مبيعات السيارات الكهربائية |
وبعد ارتفاع مبيعات السيارات الصينية عالميًا، لم تعد الشركات الصينية تكتفي بانتاج هذه السيارات في الصين وبيعها عالميًا، إذ ظهر توجه جديد يقوم على إنشاء مصانع وإقامة شراكات وتوسيع الاستثمارات في الأسواق الخارجية.
وفي عام 2025، بلغت الطاقة التصنيعية الخارجية لشركات السيارات الصينية نحو 1.7 مليون سيارة سنويًا، تركز أكثر من نصفها في جنوب شرق آسيا، ولا سيما تايلاند وإندونيسيا. ويعكس هذا التحول رغبة الشركات الصينية في بناء حضور طويل الأمد في الأسواق الخارجية، والانتقال من مجرد تصدير السيارات إليها إلى المشاركة الفعلية في صناعتها، بما يعزز فرص توسعها في أسواق واعدة مثل الشرق الأوسط والسعودية.
السيارات الصينية تقترب من 12% من السوق السعودي
بعد سنوات قليلة من دخولها بقوة إلى السوق السعودي، أصبحت السيارات الصينية جزءًا واضحًا من مشهد المنافسة، وبحسب بيانات موقع سيارة، بلغت مبيعات العلامات الصينية في السعودية 47,728 سيارة خلال النصف الأول من 2025، رغم تراجعها بنسبة 14.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ولم يعد انتشار السيارات الصينية في المملكة مقتصرًا على عدد محدود من العلامات، إذ توزعت هذه المبيعات على مجموعة واسعة من العلامات، تصدرتها شانجان بـ11,594 سيارة، تلتها إم جي بـ10,200 سيارة، وجيلي بـ9,545 سيارة، ثم جيتور بـ8,264 سيارة وهافال بـ6,131 سيارة، بما يعكس اتساع قاعدة المنافسة الصينية وتنوع الخيارات التي أصبحت متاحة أمام المستهلك السعودي.
السعودية تأتي بطموح يتجاوز استيراد السيارات

لا تنظر المملكة إلى قطاع السيارات بمنظور استهلاكي فحسب، بل تسعى إلى تحويله إلى قطاع صناعي واستثماري متكامل ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، إذ تضع الاستراتيجية الوطنية للصناعة السيارات ضمن القطاعات الواعدة التي تستهدف تطويرها وتوطينها.
ويترجم هذا التوجه من خلال تطوير مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، الذي يستهدف جمع المصنعين والموردين والشركات المحلية والعالمية ضمن منظومة واحدة لتعزيز التصنيع وسلاسل الإمداد ودعم الصادرات، مع توقعات بأن تساهم الشركات العاملة فيه بنحو 92 مليار ريال في الناتج المحلي بحلول 2035.
من السوق إلى الشراكة.. الحضور الصيني يتوسع
ومع انتقال المملكة تدريجيًا من دور المستورد إلى السعي لبناء صناعة سيارات متكاملة، بدأت الشركات الصينية تجد في السعودية فرصة تتجاوز بيع مركباتها للمستهلك المحلي.
ونعود هنا إلى بطلة قصتنا، بي واي دي، إذ اتجه النقاش السعودي – الصيني مع هذه العلامة إلى بحث إمكانية تصنيع سياراتها داخل المملكة ونقل التقنيات الحديثة، إلى جانب توطين المركبات الكهربائية وتطوير سلاسل الإمداد المرتبطة بالبطاريات والمواد المتقدمة.
ويعكس هذا التوجه طبيعة الفرصة التي باتت السعودية توفرها للشركات الصينية؛ إذ لم يعد السوق مجرد وجهة لبيع السيارات، بل أصبح جزءًا من طموح صناعي أكبر يمكن أن يمنح هذه الشركات موطئ قدم في قطاع السيارات الإقليمي، مستفيدة من الحوافز التي تقدمها المملكة للاستثمارات الصناعية عالية القيمة.
هل تصبح السعودية قاعدة للسيارات الصينية في المنطقة؟

مع تسارع بناء منظومة صناعة السيارات في المملكة، تبدو السعودية مؤهلة للانتقال من سوق رئيسية للسيارات الصينية إلى قاعدة إقليمية محتملة لهذه الشركات.
فالمملكة لا تكتفي بجذب السيارات إلى سوقها المحلية، بل تعمل على بناء منظومة تشمل التصنيع وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والتصدير، فيما يستهدف مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية خدمة الأسواق الإقليمية والدولية، مستفيدًا من موقعه القريب من ميناء متطور وحوافز المنطقة الاقتصادية الخاصة.
وتتوقع المملكة أن تسهم الشركات العاملة في المجمع بنحو 92 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحلول 2035، ما يعكس حجم الطموح وراء تحويل المملكة إلى مركز لصناعة السيارات.
ماذا يخبئ المستقبل للسيارات الصينية عالميًا وسعوديًا؟

عالميًا، تبدو السيارات الصينية أمام مرحلة جديدة من التوسع،إلا أن الرهان في هذه المرة لن يقتصر على زيادة الصادرات فقط. والتي تتوقع وكالة الطاقة الدولية استمرار نموها لتتجاوز السيارات الكهربائية المصنّعة في الصين ربع مبيعات السيارات الكهربائية في الاقتصادات المتقدمة بحلول 2035، مقارنة بـ15% في 2025.
إلا أن زيادة التوسع سيبدأ في مواجهة تحديات أكبر مع تشديد الرسوم التجارية وتشجيع الدول على التصنيع المحلي، ما يدفعها تدريجيًا إلى بناء مصانع خارج الصين بدل الاعتماد على التصدير وحده.
إلا ان منافسة الشركات الصينية هي ليست أمرًا سهلًا، إذ لا تزال الصين أكبر مركز عالمي لإنتاج السيارات الكهربائية، حيث أنتجت قرابة 75% من السيارات الكهربائية عالميًا في 2025، وهو ما يمنح شركاتها قاعدة صناعية وسلاسل توريد يصعب على المنافسين مجاراتها بسهولة.
وفي السعودية، قد تأخذ هذه المرحلة شكلًا أكثر أهمية، فمع امتلاك المملكة طموحًا لبناء قطاع سيارات محلي، تتحول المنافسة من مجرد بيع السيارات الصينية إلى جذب الشركات الصينية نفسها للاستثمار والتصنيع. وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو تصبح فيه السعودية جزءًا من منظومة إنتاج السيارات الصينية في المنطقة، وليس مجرد سوق لها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ستكتفي الشركات الصينية ببيع سياراتها للعالم، أم ستسعى إلى صناعة سياراتها في العالم نفسه؟





