تقرير: الفرق بين سلوك شراء السيارات في الرياض وجدة
يشهد سوق السيارات في المملكة العربية السعودية نموًا متسارعًا وتحولات جوهرية مدفوعة برؤية السعودية 2030، والتوسع الحضري، والتغيرات الديموغرافية، والتقدم التكنولوجي. ومع ارتفاع الدخل المتاح، وتمكين المرأة من القيادة، وانتشار الحلول الرقمية والتمويل المرن، أصبحت السيارة عنصرًا أساسيًا في نمط الحياة اليومي وليس مجرد خيار ترفيهي. يستعرض هذا التقرير واقع سوق السيارات في السعودية، مع تحليل سلوك الشراء والفروقات الإقليمية، خاصة بين الرياض وجدة، إلى جانب أبرز العوامل والتوجهات التي تعيد تشكيل القطاع خلال السنوات القادمة.
محتوى
نظرة عامة على سوق السيارات في السعودية
يُعد سوق السيارات في المملكة العربية السعودية أحد أكبر الأسواق وأكثرها ديناميكية في المنطقة، حيث قُدرت قيمته بحوالي 25.78 مليار ريال سعودي في عام 2024، مع توقعات أن يصل إلى 152.14 مليار ريال سعودي بحلول عام 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.9%.
وتشهد المملكة تحولات هيكلية عميقة ضمن إطار رؤية السعودية 2030، بما في ذلك الاستثمار الهائل في البنية التحتية وتوسيع القاعدة غير النفطية للإقتصاد، الأمر الذي يدعم القطاعات الحيوية مثل النقل وصناعة السيارات. وهذه التغيرات تصب بشكل مباشر في زيادة الطلب على السيارات، خاصة مع التصاعد المستمر للتحضر وتنامي عدد السكان الشباب وزيادة الدخل المتاح للأفراد.
كما أدت الإصلاحات الحكومية مثل السماح للنساء بالقيادة منذ عام 2018 إلى توسيع قاعدة المستهلكين بشكل غير مسبوق، ما أفرز أنماطًا جديدة من الطلب وشجع الشركات العالمية على تعزيز حضورها واستثماراتها في السوق السعودي. ومن المتوقع أن تلعب الحوافز الحكومية لتوطين صناعة السيارات، خاصة المركبات الكهربائية، دورًا محوريًا في إعادة تشكيل القطاع خلال العقد القادم. يبرز من بين اللاعبين الرئيسيين في السوق شركات عالمية مثل تويوتا، هيونداي، نيسان، جنرال موتورز، فورد، كيا، فولكس فاجن، ورينو، مع جهود ملحوظة لتعزيز الإنتاج المحلي عبر شراكات مع شركات متخصصة في المركبات الكهربائية كما ظهر في مشروع “لوسِد موتورز” السعودي.
ويُجمع خبراء السيارات على أن نضج سوق السيارات في المملكة بات وثيق الصلة بالتطور التكنولوجي وتغير عادات الشراء، حيث انتشرت المنصات الرقمية، وتنامت خيارات التمويل الميسرة، وأصبح قرار الشراء أكثر ارتباطًا بمفاهيم مرونة الدفع وذكاء الاختيار وليس بمجرد السعر النقدي أو الماركة.
ملامح سلوك الشراء العام في السعودية
يتسم سلوك شراء السيارات في السعودية بسمات فريدة تعكس تحولات سريعة في نمط الحياة، الدخل، وتغيرات التوجه الديموغرافي. أول ما يلفت النظر هو أن شراء السيارة يُعد خيارًا ضروريًا في معظم المناطق، وليس مجرد وجه من وجوه الرفاهية، وذلك نتيجة: ارتفاع الدخل المتاح للفئات العاملة، تسارع التحضر، وضعف بدائل النقل العام خاصةً خارج المدن الكبرى. ولذا، يُنظر إلى السيارة كأداة أساسية لسهولة التنقل وربط الأفراد بأنشطة الحياة اليومية.
- توسع قاعدة المشترين: ساهم دخول النساء سوق القيادة منذ عام 2018 في تعزيز الطلب، وتغيير نوعية الاحتياجات، وتوسيع شريحة المتسوقين، والميل إلى السيارات النسائية.
- حساسية ملحوظة للسعر وخيارات التمويل: جعل انتشار حلول التمويل ومرونة الأقساط والمنصات الرقمية من قرار شراء السيارة عملية أكثر ارتباطًا بالدفعات الشهرية والشروط التمويلية، وهو ما قدّم بديلاً عمليًا للمستهلكين الذين يواجهون ضغوط تكاليف المعيشة.
- تأثير التقنية المتصاعد: تتجه الفئات الشابة في السعودية إلى السيارات المجهزة بأنظمة أمان حديثة، شاشات اتصال رقمية، وأنظمة قيادة ذكية، ويرجع ذلك إلى الوعي التكنولوجي الواسع لدى هذه الشريحة.
- توجهات متباينة حسب الفئة: يلاحظ أن هناك انقسامًا بين فئات تبحث عن سيارات اقتصادية ومستعملة بسبب تكاليف الحياة، وأخرى تتجه إلى الفخامة والتقنية العالية كرمز للمكانة الاجتماعية.
وعلاوة على ذلك، بدأت شعبية سوق السيارات المستعملة تتنامى، في حين زاد الاهتمام بسيارات الـSUV نظراً لظروف الطرق ومساحات العائلة. كذلك أدت رقمنة عمليات الشراء عبر منصات مثل موقع سيارة الإلكتروني إلى تسهيل وتوسيع الخيارات أمام المشترين، وجعلت السوق أكثر شفافية وتنظيماً.
تصفح أيضًا: كيف تغير سلوك مشتري السيارات في السعودية؟
سلوك الشراء حسب المناطق في السعودية
تلعب الجغرافيا دورًا بارزًا في تشكيل سلوك شراء السيارات بالمملكة. إذ تختلف الدوافع والتفضيلات واتجاهات الشراء بين المناطق الوسطى، الغربية، الشرقية، وغيرها، متأثرة بالعوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والبنية التحتية المتاحة للتنقل والنقل، وفيما يلي تحليل تفصيلي لأبرز توجهات الشراء في المنطقتين الأكثر تأثيرًا: الرياض (الوسطى) وجدة (الغربية).
المنطقة الوسطى (الرياض)

تسيطر منطقة الرياض على نصيب الأسد من مبيعات السيارات في المملكة، كونها العاصمة السياسية والاقتصادية ومركز تجمع سكاني كبير، كما أنها تضم شريحة واسعة من الشباب المهنيين والعائلات. وتتميز سلوكيات الشراء في الرياض بعدة ملامح واضحة:
- حجم السوق: تعتبر الرياض أكبر سوق للسيارات الجديدة والمستعملة، تدفع ذلك الكثافة السكانية العالية وتنوع النشاط الاقتصادي والخدمي.
- تفضيلات المستخدمين: يُحبذ سكان الرياض السيارات العائلية الكبيرة (SUV، كروس أوفر)، تشهد إقبالاً بسبب ملاءمتها للطرق الواسعة، وتكيّفها مع المناخ القاسي وطرق السفر بين المدن.
- التركيز على الاعتمادية والسلامة: يميل سكان الرياض إلى مركبات تجمع بين الاعتمادية العالية, وسائل الأمان, وسعة الصيانة المنتشرة، لما توفره من راحة بال وتكاليف تشغيل طويلة الأجل معقولة.
- تأثير ثورة التقنية: يظهر لدى الشريحة الشابة خاصة وعي تقني مرتفع، وطلب على تجهيزات متطورة: شاشات عرض رقمية، خصائص أمان نشطة (مثل ADAS)، وتجربة قيادة ذكية.
- التمويل وتسهيلات الدفع: ينتشر التعامل مع الوكلاء والمعارض الكبيرة التي تقدم حلول تمويل مرنة، ما يسهل اقتناء السيارات الحديثة لمختلف الشرائح.
كما أن بيئة الرياض أيضًا تجعل السيارة أداة حيوية للتنقل اليومي، حيث لا توفر بدائل النقل العام تغطية كافية حتى الآن، رغم مشاريع مترو الرياض الجارية. لذا يظل اقتناء السيارة ضرورة لجميع الفئات، مع تركيز على القيمة المضافة للاعتمادية وتقنيات الراحة والسلامة.
المنطقة الغربية (جدة )

تُعد مدينة جدة قلب الشاطئ الغربي للمملكة وبوابة الحرمين الشريفين والميناء الرئيسي، ما يكسبها طبيعة تجارية وسياحية متميزة. هذا الانفتاح ينعكس مباشرة على أنماط شراء السيارات:
- حجم السوق: تأتي جدة ثانية بعد الرياض بحجم السوق، مدعومة بالحركة التجارية الكثيفة والاستيراد البحري للسيارات عبر الميناء، ما يوفر وصولاً أسرع لموديلات جديدة ومواصفات متنوعة.
- توجهات حديثة: تتسم جدة بانفتاح اجتماعي وحياة ساحلية، ما يدعم قبول نماذج السيارات الكهربائية والهجينة بشكل أكبر، جنبًا إلى جنب مع انتشار اهتمام الشباب بالسيارات الذكية والاتجاهية.
- المرونة في الخيارات: يلاحظ مرونة أعلى في تقبل السيارات، إذ يختار المشترون بين جديدة، مستعملة، مستوردة، أو معتمدة على التمويل، مدفوعين بالتنوع الاقتصادي.
- التركيز على السيارات العملية: غالبية الطلب في جدة ينصب على المركبات الملائمة للنقل التشاركي (مثل الأجرة وتطبيقات النقل)، سيارات عائلية متعددة الاستخدامات، وأيضًا سيارات المدينة الصغيرة والحديثة.
وهذا المناخ يعزز أهمية استيراد أحدث الطرازات والموديلات، إلى جانب الاهتمام الواسع بالمنصات الرقمية التي تسهّل فحص السيارات المستعملة وتقديم حلول تمويلية رقمية مريحة.
مقارنة سلوك الشراء بين الرياض وجدة
يبرز الاختلاف بين الرياض وجدة من ناحية سلوك شراء السيارات في عدة جوانب محورية، ومنها:
| الجانب | الرياض | جدة |
|---|---|---|
| الحجم السوقي | الأكبر (المركز الرئيسي للمبيعات) | الثاني، مدعوم بالاستيراد |
| التفضيلات البارزة | SUVs، اعتمادية، مساحة عائلية، تجهيزات أمان وتقنية متقدمة | سيارات حديثة، كهربائية، اهتمام أكبر بالتصاميم والاتجاهات |
| الشرائح الرئيسية | شباب عاملون، عائلات، متوسط/مرتفع الدخل | شباب تجاريون، نساء عاملات، دخل متوسط مرتفع |
| القنوات الشرائية | وكلاء، معارض كثيرة، عروض تمويل تقليدية ورقمية | استيراد، منصات رقمية، حلول تمويل معاصرة |
| تأثير النقل التشاركي | محدود نسبيًا خارج مركز المدينة | قوي في المدينة بسبب النشاط السياحي والتجاري |
| الاقبال على السيارات الكهربائية | مرتفع بين الشباب، يوفر بنية تحتية أفضل | طلب متزايد بين الشباب |
هذا التباين يُؤكد أهمية دراسة السلوك المحلي، فعلى سبيل المثال: المستهلك في الرياض يبحث غالبًا عن مركبة خدمية يومية تدوم طويلًا وتُلبي حاجات العائلة والسفر رغم التكلفة، بينما في جدة نجد تركيزًا متزايدًا على السيارات المدمجة، الاقتصادية، الكهربائية، وحلول النقل الذكي للمدينة الساحلية النشيطة تجاريًا وسياحيًا.
علاوة على ذلك، تدفع الحياة الاجتماعية المتجددة في جدة إلى تفضيل السيارات ذات التصاميم الجديدة والمواصفات التقنية، مع تسارع في تبنّي حلول الشراء المنصة الرقمية وعمليات استيراد الطرازات النادرة أو المتخصصة عبر الميناء.
أما عن التحديات، فيبقى ارتفاع تكاليف الامتلاك والصيانة، وفجوة النقل العام، وتحديث البنية التحتية للشحن الكهربائي واتساع الخيارات الرقمية، عوامل مؤثرة تفرض نماذج جديدة ومتغيرة باستمرار في كل مدينة.
تصفح أيضًا: أكثر السيارات طلبًا في الرياض وجدة والدمام خلال 2026
العوامل المؤثرة على سلوك الشراء
تتداخل عدة عوامل في رسم وتوجيه سلوك شراء السيارات بالمملكة، بعضها مرتبط بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، وبعضها الآخر ترتبط بالتطور التقني والتحولات الثقافية الكبرى. يمكن حصر أهم المحركات المؤثرة فيما يلي:
- الكثافة السكانية وواقع الاقتصاد:تشكل الكثافة السكانية الشابة في الرياض وجدة محركًا رئيسيًا لتنامي سوق السيارات، إذ يقترن الطلب بنمو النشاط الاقتصادي وتوافر فرص العمل ودخول النساء سوق القيادة.
- التوجه الديموغرافي والثقافي:يبرز أثر التحولات الديموغرافية — بوجود ما يفوق 60% من السكان دون سن 35 عامًا — في رفع سقف التطلعات ومعايير الاختيار لدى المشترين، حيث تُفضَّل المركبات الذكية والفاخرة كرمز للمكانة أو مركبات اقتصادية لتقليل أعباء المعيشة.
- القدرة الشرائية وخيارات التمويل:انتشار التقسيط والتمويل الميسر سهل حصول نسبة كبيرة من السكان على سيارات حديثة، وزاد من تنوع الشرائح المستفيدة، خاصة في ظل ثبات أسعار الفائدة نسبيًا ووجود منصات رقمية تسهل عمليات الشراء والمقارنة بين الخيارات.
- تأثير التقنية والرقمنة:يبدو واضحًا تصاعد دور المنصات الإلكترونية مثل موقع سيارة، التي سهلت عمليات بيع وشراء السيارات المستعملة منها والجديدة، وقلصت فجوة القيمة بين المناطق وأتاحت فحصًا أفضل للمركبات وخيارات دفع مرنة.
- توجهات النقل المستدام:مواكبة لتوجهات الحكومة لخفض الانبعاثات والتحول للطاقة النظيفة، بدأت شريحة معتبرة من المشترين — خاصة في جدة والرياض — تقبل السيارات الكهربائية والهجينة، رغم استمرار بعض التردد بفعل تحديات البنية التحتية.
- انعكاسات السياسات الحكومية ومشاريع التنمية:تسارع تنفيذ مشاريع كبرى مثل “نيوم”، “البحر الأحمر”، وتوسعة المراكز الحضرية، كل ذلك يصب في زيادة الحركة السكانية ويعزز الحاجة لوسائل نقل شخصية، ما يرتبط بتوجهات الشراء.
- ارتفاع تكاليف الامتلاك وضعف النقل العام:رغم انخفاض تكاليف الوقود نسبيًا، تظل تكلفة التأمين والصيانة عالية، ما يدفع كثير من المستهلكين نحو الخيارات الاقتصادية أو المستعملة أو الاعتماد على النقل التشاركي في المدن الكبرى.
خلاصة
بينما تهيمن الرياض على الريادة السوقية مدعومةً بالكثافة السكانية، القوة الشرائية، وشبكة المعارض، تبرز جدة بمرونتها وانفتاحها على السيارات المستوردة وتقنيات المستقبل، وتوجه شبابها المتصاعد نحو المركبات الكهربائية والحلول التقنية.
إن توظيف المنصات الإلكترونية المتطورة، وتحفيز التمويل الرقمي، وتزايد وعي المستهلكين بأهمية الاعتمادية والتكلفة الشاملة، كلها توجهات تصب في صالح رفاهية المستهلك وتوسيع قاعدة الاختيار. ولا تزال التحديات قائمة، أهمها كلفة الامتلاك، فجوة النقل العام، وحداثة البنية التحتية للكهرباء، ولكنها تقابلها فرص سوقية عظيمة بفعل التنوع الاقتصادي والتحولات الاجتماعية السريعة.
بوجه عام، ستظل المدن الكبرى مركز الابتكار ومعايير الفخامة والتقنية في سوق السيارات السعودي، بينما تشهد المناطق الغربية تصعيدًا عمليًا وطلبًا مرنًا يستجيب للتحولات الرقمية والاقتصادية. ومع استمرار التحول الرقمي والسياسات الداعمة للصناعة المحلية والحلول النظيفة، ينتظر السوق السعودي نموًا متزايدًا وفرصًا غير مسبوقة للمستهلكين وصناع السيارات على حد سواء.





